الشيخ محمد رشيد رضا

184

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وعبا » وفي رواية أخرى « فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض » أي فزعت وخفت وهو بضم الجيم وكسر الهمزة بالبناء للمفعول هذا هو المعتمد عند المحدثين في أول ما نزل من القرآن والمشهور أنه نزل بعد أول المدثر سورة المزمل تامة وبعدها بقية سورة المدثر . وقال مجاهد أول ما نزل سورة ( ن والقلم ) وهو غلط وروي عن علي كرم اللّه وجهه أن أول ما نزل سورة الفاتحة واعتمده شيخنا في توجيه كونها فاتحة الكتاب ويمكن أن يراد انها أول سورة تامة نزلت بعد بدء الوحي بالتمهيد التكويني ثم بالامر بالتبليغ الاجمالي وتلاها فرض الصلاة ونزول سورة المزمل أو نزلتا في وقت واحد ( بسط ما يصورون به الوحي النفسي لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) هاء نذا قد بسطت جميع المقدمات التي استنبطوها من تاريخ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحالته النفسية والعقلية ، وحالة قومه ووطنه ، وما تصوروا انه استفاده من أسفاره ، وما كان من تأثير خلواته وتحنثه وتفكره فيها ، وقفيت عليها بأصح ما رواه المحدثون في الصحاح من صفة الوحي وكيف كان بدؤه وفترته ، ثم كيف أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بتبليغه ودعوة الناس إلى الحق وكيف حمي وتتابع وأبين الآن كيف يستنبطون من ذلك أن هذا الوحي قد نبع من نفس محمد وأفكاره بتأثير ذلك كله في وجدانه وعقله ، بما لم أر ولم أسمع مثله في تقريبه إلى العقل ، ثم أقفي عليه بما ينقضه من أساسه بأدلة العقل والنقل والتاريخ والصحيح من وصف حالته صلّى اللّه عليه وسلّم فأقول يقولون إن عقل محمد الهيولاني قد أدرك بنوره الذاتي بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام كما أدرك ذلك أفراد آخرون من قومه - آمنا وصدقنا - وان فطرته الزكية قد احتقرت ما كانوا يتنافسون فيه من جمع الأموال بالربا والقمار - آمنا وصدقنا - وان فقره وفقر عمه ( أبي طالب ) الذي كفله صغيرا قد حال دون انغماسه فيما كانوا يسرفون فيه من الاستمتاع بالشهوات ، من السكر والتسري وعزف القبان - الصحيح أنه ترك ذلك احتقارا له لا عجزا عنه -